نصف الحلم الأخر

حرارة الشمس القاتمة لا تزال مسلطة على الأسفلت الأسود. عيون المارة مغلقة تقريبا. عرق يديه كاد يصل إلى أوراقه. وعيونه تراقب الميدان من شتى بقاعه، لعله يلمح الحافلة العائدة إلى الإسكندرية. أرهقه الصهد والتعب من قلة النوم، فعاد ثانية إلى استراحة الركاب ذات المظلة الوهمية، فمن يجلس أسفلها كمن لا يجلس. الشمس اخترقت كل الحواجز ووصلت بشعاعها الحارق نحو وجنتيه وعينيه. الضوضاء يشتد في الميدان وليس عليه سوى أن يضع سماعة الهاتف الخلوي بأذنيه ويقوم بتشغيل أغنية هادئة. الانتظار مرير. وقف واتجه إلى كشك حجز التذاكر وسأل عن سبب تأخر الحافلة، أجابه الموظف إجابة مقنعة. الأصعب من الانتظار هو أن عقله لا يعمل، ولم يعد يستطيع التفكير بشيء، حاول كثيرا لكنه باء بالفشل. حاول أن يتذكر ما حدث أمس وسرعان ما انتابه الملل وارتفعت درجة حرارته قليلا. الجميع يطالبونه بالزواج، ويبرر: هل أتزوج من أي أنثى تقف أمامي فجأة دون أن اعرفها وأحبها، يردون إذن فحب كما تشاء لكن الأهم أن تتزوج، الأم تريد أن ترى أولاده قبل مماتها، والأخوة قد استاءوا من طريقة حياته، حتى أصدقائه يحاولون إبعاده عن زياراتهم العائلية.

في غفلة بسيطة من كلماته مع نفسه لمح الحافلة، ابتسم ابتسامة صفراء، سيعود ثانية إلى الإسكندرية يعمل خمسة أيام في الأسبوع، يوم الجمعة يذهب إلى الشاطئ، ويوم السبت يذهب إلى المكتبة من الساعة الحادية عشر صباحا حتى موعد إغلاقها في السابعة مساءا، حياة روتينية، لا جديد سوى عدد الصفحات التي يقرأها، ولا جديد سوى عدد المعاملات التي ينفذها بالعمل. حتى الطعام بمواعيده الثابتة.. لا جديد..

ركب الحافلة وامسك بتذكرته وأخذ يبحث عن مقعده برقمه، حتى وجده فوضع حقيبته الصغيرة بالأعلى وجلس، ركبت بجواره فتاه جميلة خمرية اللون كانت ملامحها مألوفة بالنسبة له. لم يعط أي أشارة أو ينتبه وكان ما يشغل باله أكثر خروج تلك الحافلة من المدينة المزدحمة. وما إن هدأ شيئا حتى لمح وجهها ثانية.

- : "من فضلك ،، هل....؟؟".. تراجع عندما نظرت إليه نظرة مقتضبة مندهشة من حديثه بتوجيه سؤال لها.. ثم استطرد -: "آوه .. أسف ..".

مر وقت قليل وقد بدأ الملل يسيطر على عقلها، وتساءلت ماذا كان يريد؟! ،،

-: "عذرا،، عن ماذا كنت تريد أن تسألني؟!"

ابتسم ابتسامة خجل : "لا شيء ، فقد وجدت رهبتك للوهلة الأولى حين بدأت السؤال ولذلك فاعتذرت واكتفيت بالصمت".

-: "إذن،، هل من الممكن أن تكرر الكرة، فأنا أريد أن اعرف سؤالك؟!!"

-: "لا اعتقد أنك تريدين، فسوف تعتقدي إما إني مجنون أو إني أحاول التحرش بك عاطفيا".

ضحكت باستهزاء -: "أعتقد إنه السؤال الدائم للراكب الشاب الذي تجلس بجواره فتاة.." نظرت إلى عينيه وبعبارة تمثيلية استطردت -:"هل رايتك من قبل ؟!! .. بالطبع هو ذاك السؤال المتكرر. فطالما إنك لن تطلب مني الزواج فأرجوك أن تسأل"

ابتسم بوقار وعدل من جلسته قليلا وأومأ برأسه بالإيجاب وهو يقول -: "ربما كان هذا هو نصف السؤال. لكن يبقى الجزء الثاني وهو ليس سؤالا دائما.."

اندهشت من طريقته في الحوار وحاولت فهمه لكن سبقتها كلماتها باستفسارها عن الجزء الثاني، ففسر لها بسؤاله المباشر..

-: "هل تدرسين بكلية الإعلام؟"

ردت باستغراب -:"نعم.. كيف عرفت؟"

سألها -: "هل تسافرين إلى أخوك الأكبر لتقضين إجازة الصيف معه؟!"

ردت بعصبية -: "من أنت؟!!"

لم يرد عليها وحاول الثبات على نفس ابتسامة الوقار.. استطردت بنفس العصبية -: "إما أنك تعرفني أو إنك تتبعني وفي الحالتين أنا لا أعرفك ولم أرك من قبل.. إذن فهل تعرف عمري بالتحديد؟!! وهل تعرف كم من الأخوة لي؟!! .. وبالتأكيد تعرف اسمي.. إذا من أنت؟!!."

رد ليهدئها بابتسامته الهادئة -: "هل كان سؤالي إليك إجابته نعم؟!! لو أخبرتك إني حلمت بك بالأمس لن تصدقي ولن تثقي بي.. ولكنها الحقيقة.."

ضحكت باستهزاء.. -: "حلمت بي،، هل تعلم أن فكرة سفري إلى أخي لم تكن سوى فكرة طارئة نشأت بعقلي اليوم"

أجابها بهدوء .. -: "لا أعلم، سأريك تذكرتي تم حجزها منذ ثلاثة أيام، وانا لا أعرفك حقا ولم أراكي من قبل.. "

أمسكت بالتذكرة ونظرت إليها وسألته بهدوء-: "ما هو اسمي؟!"

رد -: "ما أعرفه أن اسمك سما"

ابتسمت برهبة هادئة –: "ليس صحيحا،، ولكن قريبا جدا .. اسمي أسمة.. وماذا تعرف أيضا عني وماذا كان في حلمك؟.. "

كانت نظرة قلقها تزداد فحاول أن يهدئ من روعها

-: "إنه مجرد حلم، لم تكن حياة أكشف أسرارها. ولا ادعي بعلم الغيب، ولكن حلمي إني قابلتك في تلك الحافلة وتحدثنا قليلا وعرفتك و.. لما لا نخرج من هذا الحديث".

سألته بابتسامة سخرية على الرغم من أن الرهبة لا تزال بعينيها

-: "وبعد أن عرفتني .. ماذا بعد؟! هل تزوجتني، أم هل عرفت بعض من أسراري التي أخبئها؟! كنت تريد أن تخبرني بالمزيد.. !!"

صمت برهة ثم رد عليها -: "هل هذا سيريحك، ما عرفته في حلمي أنك كنت تحبين شابا وقد مات، وأنك قررت ألا تتزوجين بعده، ما عرفته في حلمي أنك قد أقدمت على الانتحار مرة وكنت تنوين الانتحار بعيدا عن أبويك بسفرك هذا، .."

سيطر عليها البكاء.

ردت بدموعها -: "يكفي ، أرجوك .. "

رد -: "أنت أردت معرفة المزيد،وأخبرتك بالمزيد ، لكن بحلمي طلبت منك الزواج،، ووافقت، لم تكن هناك نظرة الرهبة والكره تلك بعينيك ولم يكن هناك دموعا، لكن ماذا أقول وهو مجرد حلم.."

كانت نظرة القلق والرهبة قد زادت وهي تجفف دموعها حين كانت تقول له

-: "أنت تعرفني أكثر من نفسي، فلن أنتحر، إن كانت هناك حياة أخرى لأعرفك سأتزوجك، ورهبتي لم تكن منك، لكنك لم تحلم سوى نصف الحلم الأول وأنا للأسف حلمت بالنصف الأخر..."

نظر إليها بدهشة والصمت قد خيم بينهما ولا شيء غير الصمت

كانت تنظر لعينيه بود ورفق وكأنه طفلها وهي خائفة عليه من الصدمة وتشير إلى أشلائهما الممتزجة بأوراقه التي تلونت باللون الدموي وفي عينيه السؤال :"كيف حدث هذا؟!، أجيبيني.." ردت بعينيها ، :"إنه نصف الحلم الأخر سامحني لم أجد الوقت كي أرويه لك، ليتك ما قابلتني، ليتك ما حلمت بي"...

محمد السماني 2009

1 عدد التعليقات:

m.g يقول...

nice topic & thats my blog i hope u visit me )

http://ngomnews.blogspot.com